محمد ابو زهره

624

خاتم النبيين ( ص )

على ، وهو الذي يهجم ويضرب ، فلا يهمه أيقع الموت عليه أم يقع على عدوه ، وبعد أن استولى المسلمون على الهضبة أخذوا يقاتلون ، ولم يغن المشركين ، إذ استمر خالد في هجومه ، فقام المسلمون ، وكانت الصفوة المختارة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ومن أمثال أبى دجانة والزبير ، وطلحة ، وحامل اللواء على فقابلوه بهجوم مضاد وصدوه ، بعنف الجبال . ومضى بريق النصر لقريش عندما اضطرب جيش المسلمين ، وكثر الفتك فيه ، وليس عددا كثيرا بجوار عدد المشركين ، وعندما شاع بينهم أن محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد قتل فحسبوا أنهم منتصرون ساحقون لجيش النبي عليه الصلاة والسلام ، جيش الإيمان ، ولكن ذهب البرق الذي خطف أبصارهم عندما علا جيش المسلمين إلى الهضبة ، وصد هجمات خالد ومن معه ، وحمل اللواء على ، واللواء حامل النصر ، وإن تخاذل خذل من وراءه ، وعلى لا يتخاذل ، وقد علموا سيفه في بدر وأحد ، وكما قال أبو سفيان : يؤتى الجيش من حامل لوائه . ولا ننسى أن جيش قريش قد أصابته جراح الحرب ابتداء ، فالأمل هو الذي داوى جرحه فهجم ، وسط اضطراب جيش الإيمان ، فلما استقام له الأمر ، نغرت جراحهم ، وخافوا العقبى ، ويئسوا من النصر الساحق ، إذ رأوهم وقفوا أمامهم ، وقد ذاقوا من قبل وبال الأمر من هجومهم ، وإن كانوا قليلا . عندئذ رأوا أن ينهوا القتال ، وقد فرحوا بهذا النصر المؤقت ، وخشوا أن يضيع منهم وإنه لابد ضائع ، لقياسهم القابل على الماضي ، والحاضر لحظة ستصير ماضيا . 424 - هذه غزوة أحد التي يقول فيها المؤرخون إن الهزيمة فيها كانت على جيش النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولكني أرى أن تسمية ما أصاب المسلمين هزيمة ليست تسمية تنطبق على الواقع تمام الانطباق ، إنما تكون الهزيمة إذا كان جيش الإيمان قد فر فرارا ، والآخر قد تبعه في فراره ، حتى داهم المدينة المنورة ، وكان ما يكون بعد ذلك . إنما الذي أنهى القتال هم المهاجمون ، وكأنما اكتفوا بأن أصابوا مقتلة من المسلمين ، ورضوا بذلك لأنهم لا طاقة لهم فيما وراء ذلك ، وقد رأوا السيوف الإسلامية تبرق ، وذاقوها مرتين ، ولذا تتبعهم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وإذا كان ما في أحد لا يسمى هزيمة ، فإنه لا يسمى نصرا أيضا لأحد الفريقين . وقد يسمى جراحا للمسلمين ، كما سماها القرآن الكريم ، إذ سماها قرحا ، وسماها إصابة ، فقد قال اللّه سبحانه وتعالى : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ، فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ